- في كل مرة أدخل أجدك تحدَّق في جريدة، لمَ لا تُمَتِع نظرك بالتأمل في الهواء؟
- أنظري، العنوان العريض هذا
“فتيات الوطن عاملات نظافة في المستشفيات”
- آها.. وماالأمر في ذلك؟
- الأمر ياعزيزتي أن الطبقية أطبقت على أنفاس مجتمعنا
-كيف؟
- بينما تنعم من مثلك بكل خيارات الحياة المرفهة، تضطر غيرك أن تمسح مابقي على الأرض من أحذية البشر.. وماهو أسوأ من ذلك
- ما معنى الطبقية؟
- يعني أن تختالين على أرضٍ مسحها غيرك
- …
- أعرف أعرف مايدور في رأسك.. مؤكد أنك لاتؤمنين بالطبقية، ولديك عشر تبريرات لقناعتك هذه
- بالضبط.. ماتشرحه أنت كـ طبقية أنا أسميه تكامل
- تكامل؟ أن يخفض أحدهم رأسه ليرفعه آخر؟ هذا تكامل في نظرك؟
- من قال أن الدخل المادي يحدد الطبقة الإجتماعية؟
لمَ يكون الغني في الطبقة العلوية والفقير في طبقة تحتية؟
ساكن القصر لم يبنيه بيديه، صح؟
- صح
- إذاً لمَ نظن أن ساكن القصر أعلى درجةً من بانيه؟ بينما لو حسبنا ماكسبه كلٌ منهم نجد أن البنَّاء كسب أكثر بكثير،
فهو بنى وكدَّ وأنجز.. بينما ساكن القصر، دفع ونام
- ؟
- لمَ لم يتكلم أحد عن فوقية الماء على التراب أو فوقية التراب على الماء؟
- !!
- الأشياء تتكامل مع بعضها.. ولا يعني هذا أن جزءٌ ما مظلوم لأن غيره يتعب أكثر منه لإحداث التكامل..
أنا عندما أختال -على قولتك- على أرضٍ مسحها غيري، أنا أخسر وهو يكسب
- !
- عندما أُشبِع بطني بما لم تعده لي يدي، أنا أخسر أيضاً
- أشعر أنك فجأة ستقولين أن الغني فقير والفقير غني!
- بالضبط.. صرت تفهمني بسرعة.. الغني مسكين، يغبطه الجميع ولايكسب شيئاً..
تقييمنا المادي للحياة، متعب
- ربما لو حاورتِ يوماً فقيراً، بطنه تصرخ جوعاً وهو يحاول نوماً على أرضٍ جافة من كل ترف.. ربما حينها تفهمين
- أفهم ماذا؟
أفهم أنه يتعذب؟عندما نفيت الطبقية، لم أنفي عذاب أحد..
المشكلة تكمن في نظرة تشربناها، أصبحت المادة عصب الحياة بينما هي أمرٌ عارض
- إمشي حافية في يومِ من أيام صيف آب اللهاب
- وإن حدث ذلك؟
المادة ستقيني حرارة الأرض، لكنها لن تعطيني أماناً أبداً
- النقاش بدأ “يتكركب”
- أعرف.. دعنا نبدأ من حيث كنا مع رفضنا لمفهوم الطبقية
- رفضك أنتِ
- حسناً.. رفضي أنا الآن ورفضك أنت بعد عشر دقائق
- يكاد السقف يقع من ثقتك بأرائك
- إحم
- لم يقع.. أكملي
- الغني حينما يكسب مالاً يصرفه ، صح؟
- صح
- ثم يحزن ؟
- غالباً
- الفقير حين يخسر مالاً يحزن، صح؟
- طبعاً
- ألا تلاحظ أن الغني والفقير نقطتان متتاليتان على محيط دائرة؟
مرورك بأحداهما يعيدك للأخرى، وهكذا
- طيب؟
- وأن المتغير بين النقطتين على نطاق هذا المحيط، هو المادة؟
- آها؟
- أين الطبقات هنا؟
- …
- وعندما يسكن الغني قصراً، يخسر ماله كي ينام على سرره وينعم به
والبنَّاء يكسب قوته وكرامته وعصاميته حين يبنيه من الخاسر؟
-يبقى هذا غني وهذا فقير
-دائرة ياصاحبي، دائرة
- صحيح
- ..
- لكن لازلت أرى طبقية بين مدير المستشفى وعاملة النظافة؟
- بعيداً عن المادة؟
- نعم.. أقصد إنسانيتهم
- كصاحب القصر وبانيه، إلا أن عاملة النظافة إختارت لنفسها، والمدير إختار له مجتمعه
- كيف؟
- عاملة النظافة لايغبطها أحد، لا يحسدها أحد، لايحملها أحد أعباء المنصب إجتماعياً..والمدير يلبسه الجميع البشت مهما حاول أن يكسر الإطار..
- هههههههههه
- ألوو؟
- تخيلت مدير مستشفى يتجول ببشت… ههههههه
- إضحك.. لكنه واقع وإن لم يكن مرئياً
- آخ منِك ياصُداع
أكملي
- وإن كان راتبه عشر أضعاف راتبها أو مائة ضعف.. تبقى هي حرة من رتق عبودية المنصب،
- لكنها تحت رتق نظرة المجتمع الدونية
- آها المجتمع..
does it count?
المجتمع الذي لم يتبرع أن يكفيها وظيفة لاتناسب كرامتها كـ إمرأة، ستهمها نظرته؟
- عدنا من حيث بدأنا، إذاً أنتِ لاترضين لإبنة بلدك أن تعمل بوظيفة كهذه؟
- لاأرضى لأي إمرأة، أن تعمل في مكان لايحترم خصوصيتها ويعرضها لسلطوية الرجل
- إرررر.. متى تكفين عن حقدك على الرجل؟
- عندما يقوم بدوره الحقيقي، ويترك ترهاته التي إبتدعها ليمجد نفسه
- والقوامة؟
-لاتخلط الأمور.. القوامة وظيفة مطلوبٌ منه تأديتها، وبمناسبة القوامة.. لو أن لعاملة النظافة رجالٌ قوامون، لما أضطرت نفسها لذلك
- كيف يعني؟
- كلمة دائماً أقولها “محارمي موجودين لجعل حياتي أيسر” لا ليصعبوها علي
- في أيسر من حياتك أيتها المدللة؟
- ضمير المتكلم لايعنيني فقط.. يعني كل مسلمة سخَّر الله لها محارمها ليُكملون حياتها بما ينقصها
- والعاملة، كيف يُكمِل لها والدها الفرَّاش “مثلاً” حياتها؟
- آها.. هنا تصبح المشكلة مشكلة أسرة فقيرة، بحاجة لأسرة غنية كي تكتمل الصورة
- هع، أمسكت بك! الطبقية من جديد
- …
كم ملعقة سكر؟
- أثنين
- تفضل، أحلى شاي لأسوأ مُحاوِر
- شكراً .. يممممم، حالي جداً
-أنتبه لاتدبق
-بايخة
إيمان..!!
ضربتني يا صديقة بأمطار صيفية مغدقة على حين جفاف!!
مبارك هطولك..ومباركة أراض ستنبض بهكذا خفق.
لي عودة بإذن الله..
أما الآن فأحبذ أن أرقص تحت المطر.