
الساعة الثالثة و أربع دقائق قبيل الفجر.. المكان مسرحية الموت، قسم الطوارئ.. الحضور جمعٌ من الناعسين ولسانٌ واحدٌ يسبِّح..
cubicle 7, hurrrrrrrrrrrry!!!
“ASYSTOLE“
يركض الممرض رغم أن المسافة لاتستحق ذلك.. المريض على سرير رقم 7 توقف نبضه.
الفريق الطبي يتكتل حوله، أحدهم يسارع بضغطاتٍ على صدر المريض، الطبيب الآخر يزيح عن المريض كل الأسلاك، الممرض يركض إلى غرفة الإنعاش ليفتح أبوابها استقبالاً لميتٍ جديد، أقصد مريض جديد..
المسافة لاتستحق.. لكن كابوس الموت يسيطر على مخيلاتهم، الممرض على سرير المريض يضغط على صدره بسرعة على أمل إسعاف قلبه ورئتيه..
غرفة الإنعاش تبدو شديدة الإضاءة.. بيضاء كـ الكفن.. مكتظة بإرتعاشات الأطباء وعروق جباههم المتورمة..
من حقنةٍ لأخرى.. و الجميع يتناوب على ضغطات صدر المريض… طبيب القلب أتى فزعاً، طبيبة الباطنية يبدو في عينيها آثار النوم..
الكل يرقب الحدث، النبض يعود، النور ينتشر في الوجوه..
شخصٌ يحوم حول الباب، لاأحد يخاطبه.. لعله قريبه.. قتامة وجهه تحكي ذلك..
النبض يستمر.. الحمدلله.. البِشرُ طافحٌ على ملامح الفريق.. طبيبة الباطنية عادت من حيث أتت.. طبيب القلب مضى سريعاً لموتٍ آخر كما يبدو..
الثالثة و عشرون دقيقة.. النبض توقف.. نعم توقف.. أحد الأطباء كاد يفقد نفسه في هذه اللحظة، عادوا للضغطات.. ولتحسس نبض المريض..
ولشاشة الخط المتوازي مع كل الخيبات التي عاشوها سابقاً في هذه الغرفة..
“كم مضى من الوقت؟” ” 23 دقيقة..” لعل أذان الفجر ارتفع الآن .. أو ربما سيرتفع بعد قليل.. معلناً حياة الأمة بصلاة.. وهذا المسجى على سرير الإنعاش، لاأحد يعلم متى سترتفع روحه هو الآخر.. معلنةً موت إنسان..
النبض يعود.. النبض يعود.. لكن هذه المرة لا يطفح البِشر إلا على ملامحي.. ماالأمر؟ النبض يعود مع الإسعاف فقط، ويتوقف ماإن يزيحوا قبضة كفيهم عنه..
الخط المتوازي مع تاريخه المرضي و صباحه الذي كان مختلفاً عن سابق أيامه.. “كم مضى من الوقت؟” “35 دقيقة”..
اليوم صباحاً استيقظ بعد غياب أيام، تكلم وضحك وتذكر أسمه.. أسمه الذي تتسائل عنه الممرضة الآن لتحضِّر آخر شهاداته الدنيوية..
“كم الساعة الآن؟” “الثالثة وأربعين دقيقة”، طبيبٌ انسحب بوجهٍ شديد الحمرة، ودموع لاتخفى على أحد..
“أربعة دقائق ونتوقف!”
أربعة دقائق يا صفير الجهاز المصاحب للخط المستقيم.. أربعة دقائق ويعلنون خروج روح إنسان.. نهاية دنيا وبداية آخرة..
أربعة دقائق ونعلن حضورك أيها الموت..
“3:41″ المريض لايستجيب.. الجباه تتصبب عرقاً.. المشهد بدأ يختفي لتكدس دمعي.. طبيبٌ يبتسم إبتسامة قبيحة، أو هكذا أراها.. إبتسامة إعتيادية الموت..
الموت الذي لاأصدق أن يقوى إعتياده بشر!
“3:42″ .. كم أتمنى أن تتوقف هذه الساعة الحمراء قليلاً.. تُمهِله دقائق.. علَّهُ يعود.. وإن كنت لاأظن الملائكة الموكلة به ستُمهله.. إلا أنني وددت لو يتمهل الجمع دقيقة، علَّ قلبه ينبض بالشهادتين الآن..
“3:43″.. الممرض يمازح الممرضة متسائلاً عن الشهادة.. شهادة موت هذا الإنسان الذي عاش في الدنيا 44 سنة، ليضحك من موته ميت!
“الثالثة وأربع وأربعين دقيقة”..
الخط المستقيم استهلك أسماعنا بصفيره..طبيبٌ يموج حزناً: “والله لو شفتوه اليوم الصباح ماكان صدقتوا، والله اليوم كان إنسان ثاني، كان يحكي ويسولف!”
جدتي تسمي هذا صحوة الموت يا دكتور.. ولولا ملامحك المتصلبة من المصيبة، لأخبرتك بذلك كي تفهم في لاحق عمرك.. أن للموتِ نذيرٌ لايشبهه، لايشبهه !
الطبيب الذي مضى منذ دقائق بوجهه المحمر، كان ماثلاً بقرب مسرحية الموت.. ينوح كـ الأطفال.. مسكين لازال في سنوات التخصص، لم يعتاد الموت بعد!
الثالثة وخمس وأربعين دقيقة.. عربة الحُقن تتنحى جانباً لتُفسِح المجال.. الغرفة لازالت بيضاء، شديدة الإضاءة!
الشخص عند الباب لازال يدور حول نفسه.. حاولت أن أخترع صوتاً أبلغه به رحيل قريبه، لأني أعرف تماماً البشاعة التي سيبلغونه بها.. لكن الغصة أقوى من أي صوتٍ الآن.. لمحني بعينين تتفقد خبراً، هربتُ سريعاً فـ نقابي المبتل سيخبره بأكثر مما يحتاج معرفته..
الثالثة وسبعٌ وأربعون دقيقة.. كنا على سجادة المصلى.. نصلي الفجر، وأختنق بالنشيج..
الثالثة واثنان وخمسون دقيقة.. وجهٌ مبتهج يحدثني: “دكتورة تعرفين مرض الـ……..؟
حدقتيّ بإتساع مدينتي التي لم تطفئ أنوارها حزناً على موت إنسان..
“أعرفه”
“إيه.. هو هذا المرض اللي كان في هذاك” (ويشير بيده لجهة الإنعاش)
“مين هذاك؟” (وضربات قلبي تتسارع، أقاوم رغبة رفع الكرسي وتحطيمه على رأس زميلي الذي يبدو أنه قد اعتاد الموت قبل أن يصبح طبيباً كامل الأهلية!)
“هذاك اللي قبل شوي في الإنعاش!” ووجهه يزداد ابتهاجاً بـ سبقِهِ العلمي، و دُواري مُصحوباً بالغثيان يفوق إحتمالي!
الله يرحمـــه !
كيف تنساها في حضرة موت؟ لمَ تبدو الأحرف شحيحة حين نتحدث عن الحقيقة؟ لمَ نركن واقع الموت، ونلهث لوهم الحياة؟
أي لذةٍ اكتسبتها يا هذا بعلمك، وقد انتُزِعت من آدميتك؟
للموت رهبة، خشوع، وجلْ.. للموت صوتٌ عالٍ جداً أعلى من صوت الباب الذي اصطك بقوة بعد خروجي،
صوتٌ يسمعه كل من يتنفس! إلا أنت ومن هم بمثل قبحك!
مررت هائمةً من ناحية الموت.. السرير الأبيض خالٍ.. وكأن المكان لم يحوي قصة موتٍ قبل قليل ، الحقن مرتصة بأغلفتها الشفافة.. الجهاز هادئٌ جداً، أتعبه الصفير.. ممرضٌ يملئ بيانات ورقة.. أظنها شهادة الوفاة..
ياااااه.. رغم كل الذي حدث، خروج روح وإنقضاء عمرٍ وموت إنسان و 44 عاماً خُتِمت لإنسانٍ بخطٍ مستقيم..
ينقصنا الآن..
بيانات الشهادة !
معبرة..